الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
54
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تقدم في نظيره في سورة البقرة . و كَيْدِ الْكافِرِينَ هو قصدهم الإضرار بالمسلمين في صورة ليست ظاهرها بمضرة ، وذلك أن جيش المشركين الذين جاءوا لإنقاذ العير لمّا علموا بنجاة عيرهم ، وظنوا خيبة المسلمين الذين خرجوا في طلبها ، أبوا أن يرجعوا إلى مكة ، وأقاموا على بدر لينحروا ويشربوا الخمر ويضربوا الدفوف فرحا وافتخارا بنجاة عيرهم ، وليس ذلك لمجرد اللهو ، ولكن ليتسامع العرب فيتساءلوا عن سبب ذلك فيخبروا بأنهم غلبوا المسلمين فيصرفهم ذلك عن اتباع الإسلام ، فأراد اللّه توهينهم بهزمهم تلك الهزيمة الشنعاء فهو موهن كيدهم في الحال وتقدم تفسير ، الكيد عند قوله تعالى : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ في سورة الأعراف [ 183 ] . وقرأ نافع وابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر ، موهن بفتح الواو وبتشديد الهاء وبالتنوين ونصب كَيْدِ ، وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف ، ويعقوب ، موهن بتسكين الواو وتخفيف الهاء ونصب كيد - والمعنى على القراءتين سواء ، وقرأ حفص عن عاصم بإضافة موهن إلى كيد ، والمعنى وهي إضافة لفظية مساوية للتنكير . [ 19 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 19 ] إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ( 19 ) جمهور المفسرين جعلوا الخطاب موجها إلى المشركين ، فيكون الكلام اعتراضا خوطب به المشركون في خلال خطبات المسلمين بمناسبة قوله : ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ [ الأنفال : 18 ] والخطاب التفات من طريق الغيبة الذي اقتضاه قوله : وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ [ الأنفال : 18 ] وذكر المفسرون في سبب نزولها أن أبا جهل وأصحابه لما أزمعوا الخروج إلى بدر استنصروا اللّه تجاه الكعبة ، وأنهم قبل أن يشرعوا في القتال يوم بدر استنصروا اللّه أيضا وقالوا ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه ، فخوطبوا بأن قد جاءهم الفتح على سبيل التهكم أي الفتح الذي هو نصر المسلمين عليهم . وإنما كان تهكما لأن في معنى جاءَكُمُ الْفَتْحُ استعارة المجيء للحصول عندهم تشبيها بمجيء المنجد لأن جعل الفتح جائيا إياهم . يقتضي أن النصر كان في جانبهم ولمنفعتهم ، والواقع يخالف ذلك ، فعلم أن الخبر مستعمل في التهكم بقرينة مخالفته الواقع